بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، التي شنها متطرفون أغلبهم خليجيون، كانت جهود مكافحة الإرهاب تتركز على العمل العسكري والأمني، قبل أن تتحول تدريجيا إلى محاولة معالجة الجذور الفكرية والاجتماعية التي يولد فيها التطرف.
واتجهت دول خليجية وعربية إلى التركيز على ما يسبق الهجمات الإرهابية، في محاولة لمنع انتشار الفكر المتشدد قبل أن يتحول إلى عنف، بعدما طالت هجمات هذه الجماعات دول المنطقة والعالم. وبدأت مواجهة التطرف بمراجعة ما يُطرح في المنابر والمناهج التعليمية، إلى جانب التصدي لأفكاره في المجتمعات والفضاءات الرقمية.
وكانت هجمات تنظيم القاعدة في السعودية عام 2003 نقطة تحول في نقل المواجهة إلى البيئة الداخلية، ومع السنوات تجاوز الأمر الخلايا المتطرفة، إلى المحتوى الذي يتلقاه الطلاب.
وأجرى “المركز الدولي للدين والدبلوماسية” في الولايات المتحدة، مراجعة امتدت إلى عام 2018، شملت 22 كتابا دينيا سعوديا للمرحلة الثانوية من طبعة 2017، حدد داخلها 120 وحدة دراسية اعتبر أنها تتضمن عنفا أو عداء اجتماعيا، وبحسب المركز، نقلت الملاحظات إلى وزارة التعليم السعودية، وعندما أعاد الباحثون مراجعة كتب التوحيد والحديث والتفسير في طبعات 2019 و2020، وجدوا أن عددا من الكتب التي تضمنت أكثر المواد إثارة للاعتراض ألغي.
وإلى جانب مراجعة المحتوى، اتجهت الوزارة السعودية إلى ما اعتبرته مصادر التأثير التنظيمي داخل التعليم، ففي 2017 أمرت بسحب مؤلفات الداعية المصري يوسف القرضاوي، الذي كان ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، من مكتبات المدارس والجامعات والكليات، وقالت إن هذه المؤلفات “قد تشكل خطرا على فكر الطلاب.”
وفي عام 2018، قال وزير التعليم آنذاك، أحمد العيسى، إن عناصر من جماعة الإخوان عملوا خلال الستينيات والسبعينيات في قطاعي التعليم العام والجامعي في السعودية، وأسهم بعضهم في صياغة المناهج والأنشطة الطلابية. وأعلن العيسى حينها خطة لإبعاد هؤلاء وإعادة صياغة المناهج، ومنع الكتب المرتبطة بالجماعة، التي صنفت واشنطن فروعا منها على قوائم الإرهاب.
وأعلنت وزارة التعليم السعودية في 2018 برامج مثل “حصانة”، قالت إن الهدف منها تدريب قيادات تعليمية، بالتعاون مع رئاسة أمن الدولة، للتعرف على مؤشرات الفكر المتطرف ولتفعيل دور المدرسة في تعزيز المواطنة.
ويرى الكاتب والباحث الأكاديمي المختص في شؤون الشرق الأوسط وأمن الخليج، محمد محسن أبو النور، أن “التحول الأهم في التجارب الخليجية، فيما يتعلق بمكافحة الفكر المتطرف، خلال العقد الأخير تمثّل في الانتقال من التعامل مع الخلايا والممولين والعمليات الإرهابية، إلى محاولة تنظيم المجال الديني ومراجعة المناهج وضبط المنابر وتأهيل الأئمة ومواجهة الدعاية المتطرفة رقميا.”
وسعت المملكة إلى تقليص مساحة بعض المؤسسات والرموز الدينية التقليدية، وحاولت الحد من دور “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” المختصة بفرض تطبيق متشدد لأحكام الشريعة.
واعتبر أبو النور أن “تراجع التطرف في المملكة، ارتبط بعوامل أخرى، بينها التحولات الاجتماعية والاقتصادية وتغير الأجيال وأنماط استهلاك الإعلام وتراجع احتكار الجماعات الدينية للمجال العام.”
وفي عام 2017، أطلقت السعودية مركز “اعتدال” بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وقالت إن الهدف منه مواجهة الفكر المتطرف والحد من انتشاره، خصوصا عبر الفضاء الرقمي.
وقامت مصر بمساعٍ مشابهة فيما يتعلق بمناهجها التعليمية، ففي مارس 2015 حذفت وزارة التعليم دروسا من بينها “صلاح الدين الأيوبي” و”عبقرية عقبة الحربية” و”نهاية الصقور”، ضمن مراجعة قالت إن هدفها تنقية الكتب من موضوعات يمكن أن تحث على العنف أو التطرف أو تستغل بصورة خاطئة.
وفي الشهر نفسه وبعد مراجعة الأزهر ووزارة الأوقاف لمناهج التربية الدينية من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية، غيرت السلطات التعليمية عنوان درس “الجهاد في سبيل الله” إلى “صلح الحديبية وأثره في نشر الدعوة”، وحذفت صورا تضمنت طفلا يحمل بندقية وصورة معركة يظهر في خلفيتها علم يشبه علم تنظيم القاعدة.
ثم حاول الأزهر بناء محتوى تعليمي مضاد، فأطلق مجمع البحوث الإسلامية التابع له في ديسمبر 2015، برنامجا في المدارس والمعاهد بهدف تصحيح المفاهيم التي تروج لها الجماعات الإرهابية حول التكفير والجهاد والتفسيرات الخاطئة للنصوص الشرعية، وفي مناهج لاحقة أصبح كتاب الثقافة الإسلامية يتناول صراحة قضايا التكفير والجهاد والمواطنة والحاكمية والخلافة، ويقدم الجهاد باعتباره مرتبطا بصد العدوان لا بقتال الناس بسبب معتقداتهم.
وجاءت هذه المراجعات في مرحلة كان فيها تنظيم داعش، الذي تصنفه واشنطن جماعة إرهابية، يقدم مثالا شديد الوضوح على طريقة إعادة توظيف التراث الديني، فعندما أحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة في سوريا عام 2015، أرفق التنظيم جريمته بنص منسوب لابن تيمية، أحد أبرز العلماء المسلمين بين القرنين السابع والثامن الهجريين، ما فتح جدلا حول الفرق بين النص التاريخي وبين طريقة انتزاعه من سياقه واستخدامه لتبرير فعل معاصر.
وفي المغرب، تحركت السلطات بعد تفجيرات الدار البيضاء في مايو 2003، وأعلن الملك محمد السادس إعادة هيكلة الحقل الديني، وفي أبريل 2004 أعيد تنظيم المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية، وأنشئت هيئة علمية مختصة بالإفتاء، ثم طرحت خطة لتحديث التربية الإسلامية وتأهيل المدارس الدينية التقليدية.
وحاول الأردن، التحرك في مجال مكافحة التطرف، عبر مؤتمر إسلامي دولي في يوليو 2005 انتهى إلى ثلاثة مبادئ رئيسية، هي الاعتراف بالمذاهب الإسلامية الثمانية، ورفض التكفير بين أتباعها، ووضع شروطا لمن يملك أهلية إصدار الفتوى، في محاولة للحد من الفتاوى غير المنضبطة، ولاحقا أقرت هذه المبادئ في منظمة المؤتمر الإسلامي.
وبعد تفجير انتحاري نفذه داعش في مسجد للمسلمين الشيعة في الكويت عام 2015، شددت السلطات الإجراءات المرتبطة بالمساجد والمنابر. وأعلنت أنها فرضت قيودا على خطب الجمعة، واختيار الخطباء، ومنعت بعضهم من ممارسة الخطابة بسبب مخالفات تتعلق بخطاب سياسي أو متطرف.
ويرى القانوني الكويتي سعود السبيعي أن جذور مشكلة التطرف في الخليج مرتبطة بعوامل، من بينها البيئة الاجتماعية والتعليم والإعلام والفضاء الرقمي، إضافة إلى الأزمات السياسية والطائفية التي يمكن أن تعيد إنتاج هذا النوع من الخطاب.
وحاولت الإمارات، معالجة قضايا التطرف، وسط توسع نفوذ “جمعية الإصلاح” داخل قطاعات اجتماعية وتعليمية، وبدأت السلطات تدريجيا في تقليص هذا الحضور، قبل أن تصنف الجمعية وجماعة الإخوان ضمن التنظيمات الإرهابية في 2014.
وأعلنت السلطات تأسيس مراكز مثل “هداية” و”صواب”، وقالت إن الهدف منها مواجهة الدعاية المتطرفة رقميا، وسنّت بعد ذلك مجموعة قوانين بهدف مكافحة التمييز والكراهية والتطرف.
ويعتبر الكاتب والباحث السعودي كامل الخطي، المختص في رصد ودراسة التيارات والحركات اليسارية والقومية والإسلامية في الخليج والعالم العربي، قوانين الحد من خطاب الكراهية تحركا في الاتجاه الصحيح، لكنه يرى أن المعالجة الأعمق تحتاج إلى ترسيخ مفهوم المواطنة المتساوية في الممارسة.
وبالإضافة إلى الرقابة على المنابر التعليمية والمؤسسات الدينية، عملت دول خليجية خلال العقدين الماضيين على منظومات أكثر صرامة بهدف مراقبة الأموال والجمعيات والتحويلات، وأغلقت بدرجة كبيرة القنوات التقليدية المنظمة لتمويل الإرهاب، لكن طرق التمويل انتقلت إلى مسارات أكثر تعقيدا، بينها التمويل الجماعي والحملات الإنسانية الوهمية والأصول الافتراضية والشركات التي تبدو مشروعة.
وتظهر تقييمات “مجموعة العمل المالي” الفارق بين قوة التشريع وفاعلية التطبيق، ففي الإمارات سجل تقييم المجموعة لعام 2020 محاكمة 92 شخصا في قضايا تمويل الإرهاب وإدانة 75 منهم، بينما خلص تقييم قطر لعام 2023 إلى وجود إطار فني قوي، لكنه سجل حاجة إلى تحسين الاستجابة الجنائية لجرائم تمويل الإرهاب.
لكن بعد سنوات من مراجعة المناهج وتنظيم الفتوى وتأهيل الأئمة وضبط المنابر والتبرعات، ظهرت ثغرة لا تمر بالمدرسة أو المسجد بالضرورة، إذ أصبح الفرد قادرا على الوصول إلى خطاب متطرف من خلال هاتفه، بعيدا عن المؤسسات التي عملت الدول على فرض الرقابة عليها.
ويرى أبو النور أن هذه أصبحت إحدى الثغرات الرئيسية، فالفضاء الرقمي نقل جزءا من الاستقطاب من المسجد والكتاب إلى المنصات المفتوحة والمغلقة، فيما ظلت فجوة أخرى بين الخطاب الرسمي وبين تغير الثقافة الاجتماعية نفسها.